A.almatrafi
08-23-2009, 02:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
إن معجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة، وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها، ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية.
إن مما يساعد على الاستفادة المثلى من قراءة القران أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; و نتمثلها في بشريتها الحقيقية ، وفي حياتها الواقعية ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة. ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى.
وهذه السورة "آل عمران" تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد "غزوة بدر" إلى ما بعد "غزوة أحد" والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة.
كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش. وكان هذا النصر تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة. بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة للتعايش مع الواقع الجديد، وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود، الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين، وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد.
وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم، كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة . غير متناسق تماما . فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد . الجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يكفي. فقد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل. وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله. فلعلهم قد وقع في نفوسهم - من هذا النصر - أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره . و أنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق !
غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة، فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس ، وتكوين الصفوف ، وإعداد العدة ، وإتباع المنهج، والتزام الطاعة والنظام. وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في "غزوة أحد" على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا، وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء .
وحين نراجع غزوة أحد من خلال عرض السورة لها ( من أية 120 وإذ غدوت من اهلك ) نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم . كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة و تغوص حلق المغفر في وجنته عليه الصلاة والسلام، الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين !
يسبق استعراض "غزوة أحد" وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة ، والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب ، سواء منها ما هو ناشئ من انحرافاتهم هم في معتقداتهم ، وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة . هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها . وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ، ويتحفزون من حولها، ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل . وفي أولها زعزعة العقيدة ! و هي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها.
وعلاقة قصة معركة احد بالمقطع الأول في السورة ظاهرة. فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته، كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض . مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة . ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية .
ونمضي إلى ختام السورة - بعد فصل غزوة أحد - فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية ، يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون [ كتاب الله المنظور ] وإيحاءاته للقلوب المؤمنة . . ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب، على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب...). وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه . وخشوع القلب وتقواه . ثم تجيء الاستجابة من الله - سبحانه - فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله (فاستجاب لهم ربهم ... ) ثم يذكر أهل الكتاب - الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول - ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم . فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ..)
وتختم السورة بدعوة المسلمين - بإيمانهم - إلى الصبر و المصابرة والمرابطة والتقوى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). . وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا. غير أن التعريف المجمل بهذه السورة لا يتم حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها ، تتناثر نقطها في السورة كلها:
الخط الأول : بيان معنى "الدين" ومعنى "الإسلام" . ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ . نضرب له بعض الأمثلة:
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) ، (إن الدين عند الله الإسلام).
الخط الثاني: تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له ، ونضرب له كذلك بعض الأمثلة (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) ، (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)
الخط الثالث: التحذير من ولاية غير المؤمنين ، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ، (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)
وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة، في تقرير التصور الإسلامي، وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله، وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله.
فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل بقراءة متأنية متأملة...
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
منقول
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،،،
إن معجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة، وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها، ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة، وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية.
إن مما يساعد على الاستفادة المثلى من قراءة القران أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى ; و نتمثلها في بشريتها الحقيقية ، وفي حياتها الواقعية ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ; ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة. ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى.
وهذه السورة "آل عمران" تمثل قطاعا حيا من حياة الجماعة المسلمة في المدينة من بعد "غزوة بدر" إلى ما بعد "غزوة أحد" والنصوص من القوة والحيوية بحيث تستحضر صورة هذه الفترة ; وصورة الحياة التي عاشتها الجماعة المسلمة.
كانت غزوة بدر الكبرى قد وقعت ; وكتب الله فيها النصر للمسلمين على قريش. وكان هذا النصر تبدو فيه رائحة المعجزة الخارقة. بذلك وجدت بذرة النفاق في المدينة للتعايش مع الواقع الجديد، وقد وجد هؤلاء المنافقون حلفاء طبيعيين لهم في اليهود، الذين كانوا يجدون في أنفسهم من الحقد على الإسلام والمسلمين، وعلى نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام مثل ما يجد المنافقون بل أشد.
وبينما كان أعداء المعسكر الإسلامي في عنفوان قوتهم وفي عنفوان حقدهم، كان الصف المسلم ما يزال في أوائل نشأته بالمدينة . غير متناسق تماما . فيه الصفوة المختارة من السابقين من المهاجرين والأنصار ; ولكن فيه كذلك نفوس وشخصيات لم تنضج بعد . الجماعة كلها على العموم لم تنل من التجارب الواقعية ما يكفي. فقد انتصروا في بدر ذلك النصر الكامل الباهر بأيسر الجهد والبذل. وكان هذا النصر في الوقعة الأولى التي يلتقي فيها جند الله بجند الشرك قدرا من قدر الله. فلعلهم قد وقع في نفوسهم - من هذا النصر - أنه الشأن الطبيعي الذي لا شأن غيره . و أنه لا بد ملازمهم على أي حال في كل مراحل الطريق !
غير أن سنة الله في النصر والهزيمة ليست بهذه الدرجة من البساطة، فلهذه السنة مقتضياتها في تكوين النفوس ، وتكوين الصفوف ، وإعداد العدة ، وإتباع المنهج، والتزام الطاعة والنظام. وهذا ما أراد الله أن يعلمهم إياه بالهزيمة في "غزوة أحد" على النحو الذي تعرضه السورة عرضا حيا مؤثرا عميقا، وتعرض أسبابه من تصرفات بعض المسلمين ; وتوجه في ظله العظات البناءة للنفس وللصف على السواء .
وحين نراجع غزوة أحد من خلال عرض السورة لها ( من أية 120 وإذ غدوت من اهلك ) نجد أن تعليم المسلمين هذا الدرس قد كلفهم أهوالا وجراحات وشهداء من أعز الشهداء وكلفهم ما هو أشق من ذلك كله على نفوسهم . كلفهم أن يروا رسولهم الحبيب تشج جبهته وتكسر سنة و تغوص حلق المغفر في وجنته عليه الصلاة والسلام، الأمر الذي لا يقوم بوزنه شيء في نفوس المسلمين !
يسبق استعراض "غزوة أحد" وأحداثها في السورة قطاع كبير تستغرقه كله توجيهات متشعبة لتصفية التصور الإسلامي من كل شائبة ; ولتقرير حقيقة التوحيد جلية ناصعة ، والرد على الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب ، سواء منها ما هو ناشئ من انحرافاتهم هم في معتقداتهم ، وما يتعمدون إلقاءه في الصف المسلم من شبهات ماكرة لخلخلة العقيدة وخلخلة الصف من وراء خلخلة العقيدة . هذا الفصل الذي يستغرق حوالي نصف السورة يصور جانبا من جوانب الصراع بين العقيدة الإسلامية والعقائد المنحرفة في الجزيرة كلها . وهو ليس صراعا نظريا إنما هو الجانب النظري من المعركة الكبيرة الشاملة بين الجماعة المسلمة الناشئة وكل أعدائها الذين كانوا يتربصون بها ، ويتحفزون من حولها، ويستخدمون في حربها كل الأسلحة وكل الوسائل . وفي أولها زعزعة العقيدة ! و هي في صميمها المعركة التي ما تزال ناشبة إلى هذه اللحظة بين الأمة المسلمة وأعدائها.
وعلاقة قصة معركة احد بالمقطع الأول في السورة ظاهرة. فهو يتولى عملية بناء التصور الإسلامي وتجليته، كما يتولى عملية تثبيت هذه الجماعة على التكاليف المفروضة على أصحاب دعوة الحق في الأرض . مع تعليمهم سنة الله في النصر والهزيمة . ويربيهم بالتوجيهات القرآنية كما يربيهم بالأحداث الواقعية .
ونمضي إلى ختام السورة - بعد فصل غزوة أحد - فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية ، يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون [ كتاب الله المنظور ] وإيحاءاته للقلوب المؤمنة . . ويأخذ في دعاء رخي ندي من هذه القلوب، على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب...). وهو يمثل نصاعة التصور ووضوحه . وخشوع القلب وتقواه . ثم تجيء الاستجابة من الله - سبحانه - فيذكر فيها الهجرة والجهاد والإيذاء في سبيل الله (فاستجاب لهم ربهم ... ) ثم يذكر أهل الكتاب - الذين استغرق الحديث عنهم مقطع السورة الأول - ليقول للمسلمين إن الحق الذي بأيديهم لا يجحده أهل الكتاب كلهم . فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ..)
وتختم السورة بدعوة المسلمين - بإيمانهم - إلى الصبر و المصابرة والمرابطة والتقوى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). . وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها جميعا. غير أن التعريف المجمل بهذه السورة لا يتم حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها ، تتناثر نقطها في السورة كلها:
الخط الأول : بيان معنى "الدين" ومعنى "الإسلام" . ويتكىء سياق السورة على هذا الخط ويوضحه في أكثر من ثلاثين موضعا من السورة بشكل ظاهر ملحوظ . نضرب له بعض الأمثلة:
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة) ، (إن الدين عند الله الإسلام).
الخط الثاني: تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له ، ونضرب له كذلك بعض الأمثلة (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) ، (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)
الخط الثالث: التحذير من ولاية غير المؤمنين ، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين) ، (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)
وهذه الخطوط الثلاثة العريضة متناسقة فيما بينها متكاملة، في تقرير التصور الإسلامي، وتوضيح حقيقة التوحيد ومقتضاه في حياة البشر وفي شعورهم بالله، وأثر ذلك في موقفهم من أعداء الله.
فلنمض إذن لنواجه نصوص السورة في سياقها الحي القوي الأخاذ الجميل بقراءة متأنية متأملة...
* هذا العرض مقتبس بتصرف من "في ظلال القران"
منقول